لسان الدين ابن الخطيب

48

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

ثم يعود المؤلف بنا من مطافه إلى الحمراء مرة أخرى ، فيكشف لنا عن منشآتها الرائعة ، وجناتها الساحرة ، وكيف أنها مدرج سلالة بنى نصر ، فيقول : « وتبرجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات ، سافرة عن صفحات القباب المزخرفات ، تقذف بالأنهار - من بعد المرتقى - فيوض بحورها الزرق ، وتناغي أذكار المآذن بأسمارها نغمات الورق . وكم أطلعت من أقمار وأهله ، وربت من ملوك جلة . . » أما مالقة - عاصمة الحموديين الادراسة - فيتحدث المؤلف - بادئ ذي بدء - عن تاريخها كعاصمة لهؤلاء فيقول : « كرسي ملك عتيق ، ومدرج مسك فتيق ، وإيوان أكاسرة ، ومرقب عقاب كاسرة ، ومجلى فاتنة حاسرة ، وصفقة غير خاسرة » ، ثم يشيد بشهرتها الصناعية في الفخار والحرير « . . ومذهب فخارها له على الأماكن تبريز ، إلى مدينة تبريز ، وحلل ديباجها بالبدائع ذات تطريز » . وبعد أن يصور محاصيلها وفواكهها ، وما اشتهر به قومها من الاسهام بالبر بأوفر نصيب ، في تخليص أسرى المسلمين من أيدي النصارى ، ووفرة أعيانها وعلمائها - يتناول بعدئذ مساوئ المدينة ، فيقول : « وعلى ذلك ، فطينها يشقى به قطينها ، وأزبالها تحيى بها سبالها ، وسروبها يستمد منها مشروبها ، فسحنها متغيرة ، وكواكب أذهانها النيرة متحيرة . . وطعاما لا يقبل الاختزان ، ولا يحفظ الوزان ، وفقيرها لا يفارق الأحزان . . » إلى آخر هذه المساوئ التي أوردها عن مدينة مالقة . وهكذا نرى أن موضوع الكتاب في وصفه للبلاد الأندلسية أو المغربية قد اختط فيه ابن الخطيب موضوعية لا تبارى ، وشمولا في الوصف لمختلف النواحي ، التاريخية ، والجغرافية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، في صورة ناطقة نابضة .